رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

290

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

في كتب الحكمة مضمّنة في كلامه عليه السلام : إحداها : أنّ صانع العالم لابدّ أن يكون قويّاً مستقلّاً بالإيجاد والتدبير لكلّ واحد واحد والجميع . والثانية : عدم جواز استناد حادث شخصي إلى موجدين مستقلّين بالإيجاد . والثالثة : استحالة ترجّح أحد الأمرين المتساويين على الآخر من غير مرجّح ، وقد وقعت الإشارة إلى الثالث بقوله عليه السلام : « فلِمَ لا يدفع كلّ منهما صاحبه ؟ » . وهو مع أنّه محال مستلزمٌ للمطلق . وقوله : « لا يخلو » برهانٌ آخر مبنيّ على ثلاث مقدّمات حدسيّة : إحداها : أنّ كلّ متّفقين من كلّ وجه بحيث لا تمايز بينهما أصلًا لا يكونان اثنين ، بل هما واحد البتّة ، كما قيل : صرف الوجود الذي لا أتمّ منه كلُّ ما فرضته ثانياً فإذا نظرت فهو هو . والثانية : أنّ كلّ متفرّقين من كلّ جهة لا يكون صنع أحدهما مرتبطاً بصنع الآخر ، ولا تدبيره مؤتلفاً بتدبيره بحيث يوجد عنهما أمرٌ واحد شخصيّ . والثالثة : أنّ العالم أجزاؤه مرتبط بعضها ببعض ، كأنّ الكلّ شخصٌ واحد . وقوله عليه السلام : « ثمّ يلزمك » إمّا برهانٌ ثالث مستقلّ على حياله ، وإمّا تنويرٌ للثاني وتشييدٌ له على سبيل الاستظهار بأن يكون إشارةً إلى إبطال قسم ثالث ، وهو أن يكونا متّفقين من وجه ، ومفترقين من وجه آخر ، فيقال : لو كانا كذلك يكون لا محالة ما به الامتياز بينهما غيرَ ما به الاشتراك ، فيكونوا ثلاثةً . وإلى البرهان الثاني أشار ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد بإسناده عن هشام بن الحكم ، قال : قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام : ما الدليل على أنّ اللَّه واحد ؟ قال : « اتّصال التدبير وتمام الصنع ، كما قال عزّوجلّ : « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا » » « 1 » . وروى فيه أيضاً بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : « إنّ القول في أنّ اللَّه واحد على أربعة أقسام ؛ فوجهان منها لا يجوزان على اللَّه عزّوجلّ ، ووجهان يثبتان فيه . فأمّا اللذان لا يجوزان عليه ، فقول القائل : واحد يُقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ؛ لأنّ

--> ( 1 ) . التوحيد ، ص 250 ، ح 5 . والآية في سورة الأنبياء ( 21 ) : 22 .